حبيب الله الهاشمي الخوئي
127
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
المعنى أكَّد عليه السّلام التمسك بهذه الوصايا وبالغ فيها بقوله : لو ضربتم إليها آباط الإبل لكانت لذلك أهلا ، وقد أدرج في هذه الوصايا أهمّ ما يجب على كلّ أحد في رابطته مع المبدأ ، وفي تدبيره لنفسه ، وأدبه في طريق العلم والمعرفة تعليما وتعلَّما وفي مواجهته مع ما يحيط به من المكاره والآلام ، وما يجب عليه من أداء التكاليف ورعاية القوانين والأحكام . فبدأ بلزوم التوجّه إلى الله في نيل كلّ خير ودرك كلّ المآرب ، فيعتقد بأنه لا ينال بما يريد من الرزق والمنصب وكلَّما يحتاج إليه إلَّا بفضل من الله وإن كان لحصول كلّ مقصد أسباب ووسائل ، فهو مسبّب الأسباب ومجهّز الوسائل في كلّ باب فيلزم على العبد أن لا يرجو أىّ شيء إلَّا من عنده ، والرجاء يرجع إلى كلّ ما يطلبه ويدعوه إليه شهوته . ويتلو القوة الشهوية الطالبة لدرك ما يلائم طبع الإنسان ، القوّة الغضبية النافرة عن كلّ ما يخالف طبعه ، ويتولَّد منه الخوف من إصابة مكروه ، أو فوت محبوب ، فبقدر ما يدرك الإنسان شهواته يحيط به الخوف فقال عليه السّلام : عدوّ الإنسان نفسه الأمّارة ، وكلَّما يجرّ إليه من المكاره يتولَّد من ذنوبه ويكون كسب يده » وما أصابتكم من مصيبة فبما قدَّمت أيديكم « فيجب أن لا يخاف الإنسان إلَّا من ذنبه ، فلو ترك الذّنوب ، دفع عن نفسه المخاوف والعيوب . ويصرّ عليه السّلام في ترك الحياء من الاعتراف بالجهل على كلّ أحد في الجواب عن سؤال ما لا يعلمه ، وهذا التأكيد والتعميم يرجع إلى من نصب نفسه علما للناس يرجعون إليه ويستفتونه في أمورهم وهو لا يعلم ويصعب عليه أن يعترف بجهله ويقول لا أدرى . وهم الَّذين يصعب عليهم أن يتعلَّموا ما لم يعلموا ليكونوا على هدى وبصيرة فيما يتصدّونه من المنصب والموقف . فالحياء من قول لا أدرى ومن التعلَّم فيما لا يدري من الحياء المذموم الَّذي